مجموعة مؤلفين
129
مجلة فقه أهل البيت ( ع )
مساس الحاجة إلى دائرة المعارف : لا ريب أنّ غريزة حب الاطلاع والكشف عن المجهولات تعتبر احدى أهم الغرائز التي رُكّبت في الوجود البشري لتجسّد البعد الروحي في شخصيّته ، شأن الغرائز الروحية الأخرى كغريزة حب الخير والكمال ، وغريزة التدين ، وغريزة حب الجمال والفن وغيرها من الميول التي تجنح بالإنسان إلى إرواء تلك الرغبات ، تماماً كما تدعوه غرائزه المادية إلى إشباع حاجاته الجسدية . ومن الواضح فإنّ البشر يتفاوتون - كمّاً ونوعاً - في التأثّر بهذه الغريزة والانبعاث لندائها ، فمنهم من يستجيب لها قليلًا ومنهم من يستجيب لها كثيراً ، ومنهم من يلبي دعوتها في واحد من المجالات فيُحرم من المجالات الأخرى . . ومنهم من يشارك في أكثر من باب من أبواب العلم والمعرفة كما كان عليه الطراز الأوّل من علمائنا ممن يُسمّون بالموسوعيين . . فكلّ إذن يحمل من بحر العلم بقدر عزمه ونشاطه . ولا ننسى طائفة أخرى من الناس خصوصاً في العصور الأخيرة ممّن يطلب العلم بالمجان أو بأقلّ التكالى حتى اقترن اسم العلم لدى بعض - نتيجة لممارسات خاطئة - بالدعة والخمول . وطريف ما كتبه أحد كتّاب « مذكرات تريفو » في أغسطس من سنة 1715 م وهو يشكو من هذه الظاهرة في مجتمعه الأوربي آنذاك : « لا يجب على كل امرئ أن يكون عالماً ولكنه يحاول أن يصير كذلك بثمن رخيص ، تلك هي عبقرية عصرنا » « 1 » ، ولا غرابة في الأمر فإنّ ثمّة أسباب ودواع تساعد على ظهور مثل هذه الظواهر المتطفلة على العلم ، وتحدثنا احدى المصادر عن محنة هذه الفئة من الناس والأسباب التي دعتها لذلك فتكتب « هل كانوا يريدون أن يتعلّموا الهندسة دون أن يلاقوا كثيراً من المشقة ؟ ويتعلّموا العلوم في وقت قصير وبلا مساعدة أي أستاذ ؟ واللاتينية وهم يلهون ؟ والقواعد النحوية في سرعة وطريقة لذيذة ؟ لا ريب أنّهم في كل مرّة كانوا يظفرون بما يريدون ، لأنّ هناك كتباً ظهرت حديثاً تعرض عناوين مغرية مثل : ( الرياضة صناعة هينة ) و ( منهج جديد به يستطيع المرء أن يصير عالماً بلا أستاذ وبلا دراسة وبلا مشقة ) كان هذا الاتجاه ثابتاً لا يتغيّر » « 2 » .
--> ( 1 ) تراث الانسانيّة 3 : 559 . ( 2 ) المصدر نفسه .